عبد الوهاب الشعراني

251

تنبيه المغترين

لتغفلون عن الورع وهو أفضل العبادة ، وقد كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يقول : لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ما تقبل اللّه تعالى ذلك منكم إلا بورع حاجز ، وكان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول : ما أدرك من أدرك من القوم إلا لكونه يعقل ما يدخل جوفه - يعني رغيفه - من الحلال . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : من عرف كل ما يدخل جوفه كتب عند اللّه صديقا ومن لم يصحبه الورع في فقره أكل الحرام المحض ولا يشعر ، وكان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول : الورع هو ترك التأويل وترك الأخذ بالرخص عند الضرورات ، وكان يونس بن عبيد رحمه اللّه تعالى يقول : لو أنا نجد درهما من حلال لكنا نشتري به قمحا نطحنه ونحوزه عندنا فكل من عجز الأطباء عن مداواته داويناه به فخلص من مرضه لوقته ، وكان مسعر بن كدام رضي اللّه عنه يقول : لا أعلم اليوم في زماننا هذا حلالا إلا ما يشربه الرجل من النهر بكفه . وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : كسب الحلال أشد من نقل جبل إلى جبل ، وكان وهيب بن الورد رحمه اللّه تعالى يقول : لو أقام أحدكم حتى صار مثل هذه السارية ما تقبل اللّه منه ذلك حتى يعلم ما يدخل في جوفه ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : من تصدق من حرام أو أنفقه في طاعة فهو كمن يطهر ثوبه بالبول ، وكان يقول لا تكفر الصدقة شيئا من الذنوب إلا إن كانت من حلال ، وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : لا يقبل اللّه صلاة أحدكم وفي جوفه شيء من الحرام . وقد أقام إبراهيم بالشام أربعا وعشرين سنة لأجل طلب القوت الحلال ولم يقم لجهاد ولا غيره ، وكانت إقامته في جبل لبنان فكان يأكل من فواكهه المباحة التي لم تدخل في ملك أحد من الخلق رحمه اللّه تعالى ، وكان بشر الحافي يقول : بلغنا أن معبدا رحمه اللّه تعالى ترب مرة كتابا من حائط جاره بغير إذنه فرأى تلك الليلة في منامه قائلا يقول له : سيعلم المستخف بالتراب ما يلقاه غدا من سوء الحساب ، وقد كان السلف يسافرون لتعلم الورع كما يسافرون لطلب العلم والحج رضي اللّه عنهم ، فاعلم ذلك يا أخي ودقق في الورع وهيهات أن تصل إلى شبهات السلف الصالح ، والحمد للّه رب العالمين .